ابن رشد

314

تهافت التهافت

دليل خامس قال أبو حامد : قولهم : إن كان العقل يدرك المعقول بآلة جسمانية فهو لا يعقل نفسه والتالي محال فإنه يعقل نفسه فالمقدم محال . قلنا : مسلم أن استثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم ولكن إذا ثبت اللزوم بين التالي والمقدم بل نقولا لا نسلم لزوم التالي وما الدليل عليه . فإن قيل : الدليل عليه أن الأبصار لما كان بجسم فالأبصار لا يتعلق بالأبصار فالرؤية لا ترى والسمع لا يسمع وكذا سائر الحواس فإن كان العقل لا يدرك أيضا إلا بجسم فلم يدرك نفسه والعقل كما يعقل غيره نفسه ، فإن الواحد منا كما يعقل غيره يعقل نفسه ، ويعقل أنه عقل غيره وأنه عقل نفسه . قلنا : ما ذكرتموه فاسد من وجهين . أحدهما أن الإبصار عندنا يجوز أن يتعلق بنفسه فيكون إبصارا لغيره ولنفسه كما يكون العلم الواحد علما بغيره وعلما بنفسه ولكن العادة جارية بخلاف ذلك وخرق العادة عندنا جائز . والثاني : وهو أقوى أنا سلمنا هذا في الحواس ولكن لم إذا امتنع ذلك في بعض الحواس يمتنع في بعض وأيّ بعد في أن يفترق حكم الحواس في وجه الإدراك مع اشتراكها في أنها جسمانية ، كما اختلف البصر واللمس في أن اللمس لا يفيد الإدراك إلا باتصال الملموس بالآلة اللامسة ، وكذا الذوق ويخالفه البصر فإنه يشترط فيه الانفصال حتى لو أطبق أجفانه لم ير لون الجفن ، لأنه لم يبعد عنه وهذا الاختلاف لا يوجب الاختلاف في الحاجة إلى الجسم ، فلا يبعد أن يكون في الحواس الجسمانية ما يسمى عقلا ويخالف سائرها في أنها تدرك نفسها . قلت : أما العناد الأول وهو قوله : إنه يجوز أن تخرق العادة فيبصر البصر ذاته فقول في نهاية السفسطة والشعوذة وقد تكلمنا في هذا فيما سلف . وأما العناد الثاني وهو قوله : إنه لا يبعد أن يكون إدراك جسماني يدرك نفسه فله إقناع ما ولكن إذا عرف الوجه الذي حركهم إلى هذا علم امتناع هذا . وذلك أن الإدراك هو شيء يوجد بين فاعل ومنفعل وهو المدرك والمدرك . ويستحيل أن يكون الحس فاعلا ومنفعلا له من جهة واحدة فإذا وجد فاعلا ومنفعلا فمن جهتين ؛ أعني أن الفعل يوجد له من جهة الصورة والانفعال من قبل الهيولى ، فكل مركب لا يعقل ذاته لأن ذاته تكون غير الذي به يعقل ، لأنه إنما يعقل بجزء من ذاته ، ولأن العقل هو المعقول . فلو عقل المركب ذاته لعاد